لا ينسجم عنوان كتاب «تاريخ عمان» لمؤلفه الرحالة البريطاني جيمس ريموند ولستد، الذي نقله الى العربية عبد العزيز عبد الغني ابراهيم مع هذا العنوان الفضفاض، فهو ليس سردا تاريخيا لسلسة احداث وعصور انتهت بميلاد «عمان» ككيان سياسي واجتماعي واقتصادي، وهو ليس عرضا بانوراميا او بابلوغرافيا لشخصيات وابطال ارغموا التاريخ على قبول ارادتهم او على الاقل دخول مذكراته، انه ملاحظات رحالة بريطاني كان دخوله الى شبه الجزيرة العربية ضمن مهمة «استطلاعية بريطانية» لدراسة الجغرافيا والانسان والبيئة في شبه الجزيرة العربية والخليج. ففي اعقاب مواجهات عديدة تمكنت حكومة شركة الهند البريطانية في عام 1820 من ضرب آخر جيوب المقاومة العربية الاسلامية في الخليج العربي فعمدت هذه الحكومة اثر ذلك الى اتخاذ اجراءات كثيرة كان اهمها على الاطلاق العمل على تقصي كل الاحوال في تلك المنطقة ما خفي منها وما ظهر. وقضت الخطة معرفة كافة الظواهر والمؤثرات الطبيعية في الخليج وسواحله لحماية سفنها التي تعمل لحماية امنها في الخليج، وبات لزاما عليها مسح هذه المنطقة واستكشاف المداخل والمخارج واحصاء الجزر والصخور ومتابعة كافة التيارات السائدة ورصد تقلبات المناخ وقضايا الملاحة. اما الدراسة الديموغرافية فقد عنيت بتوزع المدن والقبائل وتعداد السكان، ولعل الاهم في تلك الدراسة كان محاولة معرفة انسان الخليج لاستكشاف دواخله والعمل في ضبطه (للتوافق مع الاهداف البريطانية) وفق ثقافته ومعطيات بيئته وقناعاته وميوله السيكولوجية. فتحتم ذلك دراسة احوال السكان وتحليلها بشكل شامل كالاصول والمعتقدات والروابط الاجتماعية والقبلية وانماط الحكم والسيادة وشخصيات الحكام، والعلاقات الداخلية وكيفية اثارتها او تهدئتها.
ولم توفر هذه الدراسة الامكانات الزراعية وطبيعة الاراضي وانواع الحيوانات والحشرات والضواري وكل ما يتعلق بالطبوغرافية والايكولوجية، وعملت جماعات المساحين في اثر بعضها، وكان جيمس ريموند ولستد ـ الجندي البريطاني ـ على متن الفرقاطة بالينورس التي مسحت سواحل البحر الاحمر والسواحل الجنوبية، ولم تكن خطة مسح عمان الا لمعرفة مدى سلطة حليف بريطانيا سلطان عمان وعمق علاقاته مع الداخل.
لكن ولستد الذي اقنع حكومته بتكليفه تلك المهمة وجدها فرصة للغوص في اعماق الحياة الصحراوية وفي المدن والقرى العمانية ليدون كل ما رآه بدقة وبعدسة «مصور حاذق» وكان بين حين وحين يسلط بعض الضوء على الخلفيات التاريخية لما رآه او سمعه او لاحظه فكانت مذكراته بمثابة تاريخ لمرحلة قصيرة زمنيا لمنطقة عمان، لكن هذا التاريخ لم يأخذ شكل المنهج العلمي في دراسة الظواهر التاريخية بل اتخذ شكل الرصد والاصغاء والاستقراء.
لكن ما يلفت النظر هو تأثر هذا الرحالة بالحياة العربية والبداوة واعجابه الكبير ببعض جوانب الشخصية العربية والصحراوية على بساطتها، رغم انه كان بين الفينة والاخرى يغمز من العرب، معتمدا ـ ربما ـ على صورة نمطية جاهزة لدى الاوروبي تقترن بمشاهداته الشخصية التي كانت احيانا توفق في الربط والعرض واحيانا تخفق فيقدم رأيا غريبا يدل على فهم مسطح للشخصية العربية والتقاليد.
بدأت رحلة ولستد من ميناء مسقط (التي وصفها بانها ذات منظر غير مسبوق بقلاعها وتلالها المتشابكة فتعطي منظرا رومانسيا خلابا) في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 1835 حيث قصد صور على الساحل ثم اتخذ طريقا جنوبيا غربيا عبر وادي فلج ليصل الى ديار البني بو علي ثم عبر الصحراء باتجاه الجنوب الغربي ليرجع بعدئذ باتجاه شمالي شرقي ليمر عبر وادي «بيثة» ثم «بدية» و«ابرى» حتى «سمد»، ويصل بعدها الى مدينة «منح» ومنها يواصل رحلته حتى «نزوى» عبر الجبل الاخضر، ورغم تحذيرات المحيطين به من التوجه للدرعية، اصر على الاتجاه اليها فدلف من مدينة «السويق» عبر وادي الحواسنة حتى «عبري» التي لم يلق من حاكمها تعاونا فغادرها يشيعه زعيق العامة الذين حصبوه ببعض الحجارة. وكانت نهاية مهمته فعاد ادراجه الى الهند.
ضمن الاشياء الكثيرة التي دونها ولستد والتي تستحق التوقف عندها هو ذلك التعايش بين القوميات والاديان في مسقط التي تشكل نسيجها الديموغرافي من سلالات العرب الذين اختلطوا بالفرس والهنود وبالسوريين الوافدين عن طريق بغداد والبصرة، واختلطوا بالاكراد والافغان والبلوش ووفدت اليها جماعة من اليهود استهواها تسامح الحكومة وطاب لها العيش تجنبا لتعدي داود باشا.
في ديار البني بو علي يلقي ولستد ترحيبا وكرم ضيافة يثيران اعجابه لان البني بو علي كانوا قبلئذ قد مزقوا فرقة من 800 مقاتل تابعة للهند الشرقية حتى حد الابادة لانها جاءت لتأديبهم فأرسلت عليهم الهند البريطانية حملة انتقامية قامت بالفظائع. وقد فوجئ ولستد بضيافة كريمة صادقة نبيلة دلت على تسامح بالغ. وقد اشار كيف ان عرب هذه القبيلة حاربوا البريطانيين بجرأة وشجاعة نادرتين وفي آخر معاركهم لم يتراجعوا او يفروا، ورغم خسارتهم في الحملة الثانية التي كانت مؤلمة فانه عندما حدثهم عن تلك الحرب تحدثوا عن هزيمتهم بروح الرعابة تماما مثلما تحدثوا عما اصاب الانجليز من خسائر في الحملة الاولى.
اما اجمل ذكريات ولستد التي تميز بها فهي الايام البهيجة التي قضاها في البني بو علي والبني جنبة الذين احسنوا استقباله واكرموا وفادته وشهد عندهم احتفالا اثر في نفسه كثيرا.
يسجل ولستد ملاحظات عن البدوي، مشيدا بصبره وجلده، فهو لا يضع على قدميه الا نعلا ذا سيور لا يكاد يحمي قدميه من حرارة الرمل المتقد، اما رأسه فيظل عاريا تحت وهج الهجير ويظل طوال يومه يقود بعيره في صبر واناة، وفي المساء يتناول وجبة بسيطة «تمر وماء» بكل قناعة ورضى. ولا يهتم البدوي بالالم والمرض ويقابل ذلك بروح صامدة لانه يربى منذ نعومة اظفاره على كبح كل آثار العواطف كيلا يفضحها وجهه ومهما كانت حدة الالم فان «الله اكبر» هي الجملة الوحيدة التي تفتر عنها شفتاه.
يقف ولستد مذهولا امام الواحات ليقول ان ما يحكى عنها قد يكون غريبا لكنه لا يحتوي اية مبالغة، فخطوة واحدة كافية لنقل المسافر من حر اللظى المتوهج المتقد ورمال الصحراء الى ارض خصبة تشرب من مئات المجاري وتنتج اجود النبات والاشجار الباسقات التي لا تستطيع حتى اشعة القمر ان تتسلل عبر ورقها الكثيف الريان. وعندما كانت ثمار اللوز والحمضيات والبرتقال تضخ المكان بعطر نفاذ كان ولستد يتساءل بدهشة: اين نحن من تلك الجزيرة العربية التي يسود عندنا الاعتقاد بأنها مجرد صحراء بلقع؟
يقول ولستد في بعض العبارات انه لا يأخذ العربي بالكلمة التي يقولها اولا، ويضيف بانه لاحظ ان العربي عادة لا يتحرك او يتعهد بفعل شيء الا بعد ان يكلفك عناء الحديث اليه طويلا. لكنه في موقف آخر يعبر عن امتنانه لموقف بسيط من اعرابي فيقول: «كنت في حال يستدر العطف ولمح ذلك الاعرابي الهم مرتسما على وجهي ولمس منه ذلك شفاف قلبه فوضع يده على صدره تحية لي وقال وهو يشير الى جدول الماء: ان منظر الماء يورث القلب بهجة.. ثم مضى في سبيله.. ان نفس العربي، ابن الصحراء، تفيض بالكثير من العطف وسأذكر هذه الحادثة دوما بكثير من الامتنان».
من المشاهد الطريفة التي يجيد ولستد تصويرها هي ما يسميه شغف العربي بالمساومة، ففي كل مرة لاستئجار ابل كان لا بد من اضاعة 2 ـ 3 ساعات في المساومة فيقول: «.. يجري فيها الجدال، وتبادل الكلمات والكلمات المضادة بلا انقطاع.. والمساومة تبدأ عادة بصوت خفيض حتى يقوم احد الطرفين بتحديد اجر اكثر او اقل مما يتوقعه الطرف الآخر بمقدار عشرة اضعاف.
يشير ولستد فيما يشير الى من سماهم «القراصنة» الذين يهاجمون السفن البريطانية ـ وربما قصد بعض «المقاومين» للوجود البريطاني. وهو يشير الى قسوتهم لكنه يلمح الى سلوك نبيل في تعاملهم مع اعدائهم فهم يعاملون النساء بكل احترام ولا يهتكون اعراضهن فهذا سلوك يورث صاحبه العار.. وهؤلاء القراصنة لا يلجأون الى القتل الا اذا استثيروا بالمقاومة التي تودي بكثير من افرادهم.. ويتمتع هؤلاء القراصنة بشجاعة لا يرقى اليها الشك».
* تاريخ عمان
* المؤلف: جيمس ريموند ولستد
* المترجم: عبد العزيز عبد الغني ابراهيم








